عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
229
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
أعوان النفس الهوى والشهوة وهما يستمدان من الدنيا والشيطان ، وآلة استمدادها حواس القالب وهي من ابتداء الطفولة إلى نهاية البلاغة ، معدة بالفعل في إعانة النفس ونصرتها مستمدة بآلة حواس القالب من الدنيا والشيطان في تزيين زينتها لتصير النفس أمارة بالسوء ، ويظهر سلطانها على الروح وتستأسره وتحبسه في سجن الطبيعة الحيوانية ، وأعوان الروح أعني العقل والقلب غير مستعدين لإعانته ونصرته لضعفهما وعدم استطاعتهما ، وتعطل حواس القلب التي منها استمدادها من اللّه ورسوله فبقي جميع أجزاء الروح في أسفل أرض القالب بالبذرية بعضه لبعض عدو . كما قال تعالى : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ * [ البقرة : 36 ] أي إلى حين مشيئة اللّه تعالى وإرادته القديمة بالحكمة البالغة أن تهب نفحات ألطاف الحق عن مهب العناية ، ووقف مشام الروح لتنسمها والتعرض لها فتلقى آدم من ربه كلمات . وهي قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] باتباع الهوى وشهوات النفس وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا [ الأعراف : 23 ] تستر علينا جناح فضلك وَتَرْحَمْنا [ الأعراف : 23 ] بأن تنظر بنظر الرحمة إلى النفس الأمارة ، فتزيل عنها الأمارية وتجعلها مأمورة باختصاص إلا ما رحم ربي لتخلص من أسرها وحبسها ، فيكون من عبادك المخلصين . وإلا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ * [ الأعراف : 23 ] الذين خسروا أنفسهم باتباع الهوى والشهوات ، فبقوا في أسر النفس في أسفل سافلين صفات القالب ، فاجعلنا ممن تؤتيه هدى منك ووفقته لاتباع هداك ، فلا خوف عليهم من أسر النفس وسلطانها عليهم ، ولا هم يحزنون على ما فات لهم من التمتعات النفسانية والتلذذات الشهوانية الحيوانية بما اجتبيتهم على خليفتك وتبت عليهم ، ناديت نفوسهم بخطاب ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 28 ] وهديتهم بتجلي جمالك إلى حضرة جلالك . [ شرحي في المقام شرح واف وبيان كاف ] ثم اعلم أيها الطالب الصادق والسالك الحاذق والمجذوب العاشق أني شرحت لك في هذا المختصر ما يحتاج إليه في الرجوع من أسفل سافلين الطبيعة الإنسانية إلى أعلى عليين من مراتب قرب الربانية ، شرحا وافيا وبيانا كافيا ، فأريد أن يكون ختامه مسكا تتعطر بفائحته مشام الأرواح المقدسة والمدنسة . فأما المقدسة منها : فلما شمت روائح ألطاف الحق من هذا المهب اتبعتها للوصول به وحصول المقصود منه . وأما المدنسة : فليكون حجة عليها وإن لم يكن لها مما لا بد للطالب الراغب منه من عمل به فقد عمل بجميع ما في هذا الكتاب ، بل عمل في الحقيقة بجميع ما في الكتب المنزلة ، واللّه الموفق والمعين .